ابو القاسم عبد الكريم القشيري

635

لطائف الإشارات

قوله جل ذكره : [ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 32 ] وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلاً ( 32 ) أي إنما أنزلناه متفرقا ليسهل عليك حفظه ؛ فإنه كان أميا لا يقرأ الكتب ، ولأنه لو كان دفعة واحدة لم يتكرر نزول جبريل عليه السلام بالرسالة إليه في كل وقت وكل حين . . وكثرة نزوله كانت أوجب لسكون قلبه وكمال روحه ودوام أنسه « 1 » ، فجبريل كان يأتي في كل وقت بما كان يقتضيه ذلك الوقت من الكوائن والأمور الحادثة ، وذلك أبلغ في كونه معجزة ، وأبعد عن التهمة من أن يكون من جهة غيره ، أو أن يكون بالاستعانة بمن سواه حاصلا « 2 » . قوله جل ذكره : [ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 33 ] وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً ( 33 ) كان الجواب لما يوردونه على جهة الاحتجاج لهم مفحما ، ولفساد ما يقولونه موضحا ، ولكن الحقّ - سبحانه - أجرى السّنة بأنه لم يزد ذلك للمسلمين إلا شفاء وبصيرة ، ولهم إلا عمى وشبهة . ثم أخبر عن حالهم في مآلهم فقال : [ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 34 ] الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ أُوْلئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ سَبِيلاً ( 34 ) يحشرون على وجوههم وذلك أمارة لإهانتهم ، وإن في الخبر : « الذين أمشاهم اليوم »

--> ( 1 ) لأنه كتاب يحمله رسول الحبيب من الحبيب إلى الحبيب . ( 2 ) أي أن اتصال القرآن الكريم بحياة الناس وواقع أمورهم آية كونه معجزة ؛ بعكس ما يتخرص به المضللون الملحدون الذين يدعون أن محمدا كاتب هذا القرآن ، وأنه أوتى ذكاء خارقا كان يجعله يكتب للناس ما يلي احتياجهم ويحل مشاكلهم . . خرست ألسنتهم إن يقولون إلا زورا .